Bookmark and Share 




شرح الحديث الحادي عشر من أحاديث الأربعين النووية

للشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله تعالى



تابع الدرس
(10)شرح الأربعين النووية

عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وريحانته -رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
في الحديث الحادي عشر يقول النووي -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب المختصر النافع:
"عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب" الحسن بن علي بن أبي طالب "سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" السبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، والسبط واحد الأسباط، وأسباط بني إسرائيل هم أولاد يعقوب -عليه السلام-، يقال لهم: الأسباط، فهم أولاد الأولاد، والمعروف أن الأسباط أولاد البنات، فيه مخالفة وإلا ما في؟ نعم، سبط رسول الله ابن بنت الرسول -عليه الصلاة والسلام- فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها-، وهذا هو المعروف في السبط في لغة العرب أنه ابن البنت، وقد يكون في اصطلاح من تقدم يشمل ابن البنت وابن الولد وابن الابن بدليل أن أسباط بني إسرائيل أولاد أولاد، ما هم بأولاد بنات، ولعل هذه التسميات التي لا يترتب على الاختلاف فيها أحكام شرعية الاصطلاح فيها واسع، ولا مشاحة في مثل هذا الاصطلاح؛ لأنه لا يترتب عليه حكم شرعي يتغير من اصطلاح إلى اصطلاح.
مثال ذلك: العم أخو الأب لا يجوز بحال أن نسميه خالاً، والخال أخو الأم لا يجوز بحال أن نسميه عماً، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أحكام شرعية، لكن أبو الزوجة بعض المجتمعات تسميه عم، وبعض المجتمعات تسميه خال، ومثله أبو الزوج، يعني هل يلام من يسميه عم أو يلام من يسميه خال؟ نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، هو أبو الزوج أبو الزوجة لا يترتب عليه تغير في الحكم الشرعي، هل يترتب عليه تغير حكم؟ هل يتأثر ميراثه إذا قلنا: عم وإلا خال؟ هو لن يرث على كل حال، لن يرث سواءً سميناه عماً أو خالاً، بخلاف العم أخي الأب، والخال أخي الأم فإنه لا يجوز بحال أن نسمي أحدهما باسم الآخر، وهذه القاعدة التي يطلقها أهل العلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح يجب تقييدها، يعني إذا قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن الأرض فوق والسماء تحت، يوافق وإلا ما يوافق؟ يقال: لا مشاحة في الاصطلاح؟ نعم؟ لا، لا بد وأن يشاحح، ولا بد أن يرد عليه، إذا سمى الشمال جنوب والجنوب شمال، هذا تترتب عليه أحكام كثيرة، نقول: يشاحح في الاصطلاح، لكن في الخارطة مثلاً الناس مطبقون على أن الشمال فوق في الخارطة، والجنوب تحت، لو عكس صار الجنوب فوق والشمال تحت، من غير تغيير للواقع، قلب الخارطة وجعل الجنوب فوق، والشمال تحت، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، ما يترتب عليه شيء، ما يغير من الواقع شيء، وابن حوقل من أوائل الجغرافيين العرب عاكس الخارطة، عنده فوق الجنوب.
على كل حال هذه القاعدة يجب تقييدها، وعندنا سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا ابن البنت، كما هو واقعه -رضي الله عنه وأرضاه-.
"سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وريحانته -رضي الله عنهما-" -رضي الله عنهما- الضمير يعود على الحسن وأبيه؛ لأنه ذكر الأب، الحسن بن علي، لكن قد يقول قائل: إنه ذُكر أربعة محمد الابن، والحسن الأب، وعلي وأبو طالب، ذُكر أربعة، فالترضي يكون عمن؟ عن المسلم وغير المسلم لا يجوز الترضي عنه، ولا الترحم عليه، مع أن العرف عند أهل العلم أن الترضي إنما هو للصحابة، فعندنا من الصحابة اثنان الحسن وعلي، أبو طالب مات على الكفر -نسأل الله السلامة والعافية وحسن الختام- كما هو معروف في قصته في الصحيح، ومحمد ليس بصحابي، نعم يترحم عليه، كثيراً ما يقولون:
"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما-" يعني على سبيل التبعية لعبد الله بن عمرو.
"-رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))" وحفظ أحاديث كثيرة جداً، لكن أكثرها بواسطة؛ لأنه من صغار الصحابة، فكثير منها بواسطة، وإذا كان ابن عباس لم يثبت عنه أنه روى مباشرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا ما يقارب الأربعين حديثاً، وما عداه فبواسطة، فالحسن على قربه من النبي -عليه الصلاة والسلام- مثله، الصغير لا يحضر كل مجلس، ولا يحفظ كل ما يسمع، ولا ينتبه لكل ما يقال، على كل حال هذا الحديث الذي معنا مما حفظه من النبي -صلى الله عليه وسلم-.
"قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))" ((دع)) يعني اترك، والأمر مستعمل كما هنا، والمضارع مستعمل ((من لم يدع قول الزور)) والمصدر مستعمل ((لينتهين أقوام عن ودعهم)) والماضي منه أميت فلم يستعمل، ما استعمل الماضي من هذه المادة، ما في ودع بمعنى ترك، وقرئ في الشواذ: "ما ودعك ربك" لكنها قراءة شاذة، وأهل العلم ينصون على أن الماضي من هذه المادة قد أميت، واستعمل الأمر كما هنا ((دع ما يريبك)) اترك ما تشك فيه، و(ما) من صيغ العموم، كل شيء يريبك وتشك فيه دعه، بمعنى اتركه.
((يريبك)) من راب الثلاثي، وقد يقال: أراب يريب رباعياً إلى اترك هذا الشيء الذي ترتاب فيه، وتشك فيه إلى أمر أو إلى شيء لا تشك فيه، ولا ترتاب فيه، وهذا من أصعب الأمور على كثير من الناس، التخلي عن المشكوك فيه مع الحاجة إليه صعب على النفوس، مع أن البخاري ذكر عن حسان بن أبي سنان قال: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، الورع سهل، ما رأيت شيئاً أهون من الورع ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الكلام من مثل حسان مقبول؛ لأن هذه منزلته، وعرف عنه الورع الشديد مع أن سفيان استغرب هذا الكلام، وهو سفيان الثوري من أئمة المسلمين ومن ساداتهم، ومن أزهد الناس وأورعهم، ومع ذلك يقول: كيف يقول حسان هذا الكلام؟ لكنها مقامات، بعض الناس يظن هذا الأمر ضرب من الخيال، يعني بعض الناس ما يستوعب مثل هذا الكلام؛ لأنه لا يستطيع ولا يتصور أن يحصل منه هذا الأمر، بعض الناس إذا سمع أن قراءة القرآن في سبع أمرها سهل جداً، قال: هذا ما هو بصحيح، هذا مستحيل، فضلاً عن أنه يقرأ القرآن في ثلاث وفي يوم، هذا شيء لا يطاق في عرف كثير من الناس؛ لأنه ما تعود هذا الأمر، ولا اطر نفسه على هذا العمل، يعني يتعجب بعض الناس من صيام بعض الناس النوافل في الصيف، وبعضهم يتعجب من قيام الليل في الليالي الشاتية الطويلة، ويرى أن هذا أمر لا يطاق، لكن المسألة كل له مقامه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه -عليه الصلاة والسلام-؛ لعلو مقامه ومنزلته ومكانه عند الله -جل وعلا-، وحسان بن أبي سنان يقول: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، الكلام النظري سهل، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) لكن المحك عند العمل، إذا وقع بيدك شيء أنت بحاجة إليه اختبر نفسك في هذا المقام، وليس الأمر خاص بأمر الدنيا، تجد متاع سيارة في كيفية عقدها شبهة ثم تتجاوز وتسكت لا، حتى عند بعض طلاب العلم يقع في يده الكتاب النفيس النادر فيكون في عقده شيء يبي يترك هذا الكتاب الذي وقع بيده بعد أن تعب عليه، وحرص عليه، وبحث عنه سنين؟! أو هذا يدع هذا البيت الذي ما صدق أنه يوقع العقد، هذه أمور يعني فيها منازعة في النفوس، وفيها مشادة، فيها جذب وأخذ ورد، لكن من يغلب نفسه وهواه هذا هو السعيد، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) أي شيء تشك فيه، أي شيء فيه أدنى شبهة أتركه، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) هكذا ينبغي لطالب العلم على وجه الخصوص، والمسلم عموماً أن يأطر نفسه على هذا الأمر، يبتعد عن الشبهات ليضع لنفسه سياجاً يأمن معه ارتكاب المحرمات، والنفس لا نهاية لها، وعرفنا في دروس مضت أن سلف هذه الأمة يتركون من الحلال الشيء الكثير؛ لأن النفس إذا ضرت على شيء تعودت عليه لا تطيق فراقه، فقد لا يحصل هذا الشيء الذي عود نفسه عليه من وجه حلال بين، ثم بعد ذلك يرتكب شبهة، يقول: الشبهة الحمد لله ما ارتكبنا حرام، لكن الشبهة تجره إلى الحرام، ((كالراعي حول الحمى)) فكل شيء يقربك من الحرام ابتعد عنه {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [(187) سورة البقرة].
((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) من كل شيء، هذا ضابط، أي شيء تشك فيه اتركه، ولا تقدم على شيء إلا أن تجزم بأنه حلال، لا شبهة فيه ولا كراهية فضلاً عن أن يكون محرماً.
بعض الناس يستفتي بعض من يتصدر للفتوى ويجيبه بكلام يوافق هواه ومع ذلك نفسه لا ترتاح لهذه الفتوى، ويقول: الحمد لله أفتاني من تبرأ الذمة بتقليده، ووين أروح أدور غير هذا؟ العامة عندهم مثل يقول: ضع بينك وبين النار مطوع، يعني اللي يفتيك خلاص أنت بذمته، صحيح أنت بذمته، وهو آثم إذا أفتاك بغير الحق، لكن مع ذلك ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ولو أفتاك الناس وأفتوك)) فإذا أفتاك بما يوافق هواك وفي نفسك شيء منه لم تقتنع به عليك أن تسأل غيره، عليك أن تسأل غير هذا الذي أفتاك.
نعود إلى حال حسان بن أبي سنان وهو يقول: ما رأيت شيئاً أهون من الورع، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا بالنسبة لأمور الآخرة، وما يتعلق بالثواب والعقاب ظاهر، لكنه من أشد الأمور على النفوس، ذكرنا أن سفيان استغرب هذا الكلام من حسان، لكن حسان بالمقام الذي يناسب مثل هذا الكلام، وقد يقوله قائل ومقامه دون، قد نقوله اتباعاً للنص، تسأل فتقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الأمر سهل، نعم في الكلام النظري سهل، لكن عند التطبيق من أصعب الأمور، يعني سهل على الإنسان أن يأتي إلى شخص مصاب ويصبره، ويقرأ عليه النصوص، لكن ماذا عنه نفسه لو أصيب؟ لو أصيب هو يستطيع أن يستحضر هذه النصوص ويصبر الصبر المطلوب؟ كثير من الناس لا يحتمل هذه الأمور، نعم عنده استعداد تام لتصبير غيره، ويظهر بمظهر هو من أرضى الناس بقدر الله، ثم إذا أصيب ظهرت النتيجة صفر؛ لأن الكلام النظري سهل، والتطبيق العملي هو المحك، يعني بعض الناس يأتي إلى مريض مريض سكري مثلاً، يقول: العلاج سهل اقبض يدك وأطلق رجلك، يعني لا تأكل كثيراً، وامش كثيراً، العلاج سهل، لكن خله يصاب هو وشوف، يعني يصاب بنهم شديد على كل ما له أثر في هذا المرض، وهذا مجرب عند المرضى كلهم، بعض من يصاب يستغفل أهله وزوجته وأولاده ويذهب إلى المستودع ويأكل مما يؤثر فيه، يصاب بنهم قد يكون قبل ذلك ليست الشهوة بمثل ما هي عليه الآن بعد المرض، فالعبرة بالتطبيق، بالعمل، أما الكلام النظري هذا أكثر الناس يحسنه، سهل، لكن ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) إذا قاله مثل حسان بن أبي سنان فمنزلته مثل ذلك، بل قيل عنه: إنه أرفع من ذلك، رحمه الله.
هذا الحديث يدخل كسابقه ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) يدخل في كل شيء، حتى جعلوه من الأحاديث الأربعة التي جاءت في نظم طاهر بن المفوز الذي ذكرناه في أول الحديث:
عمدة الدين عندنا كلمات
أربع من قول خير البرية

ج
هاه؟
اترك الشبهات وازهد ودع ما
جج ليس يعنيك واعملن بنية

((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) يدخل في الاعتقادات نفياً وإثباتاً، فلا تثبت لله -جل وعلا- إلا ما تجزم بثبوته عنه، وما كان مشكوكاً فيه ولم يتفق عليه علماء هذه الأمة من سلفها وأئمتها فإنك لا تثبته لله -جل وعلا-، إذا أردت أن تصلي صلاة يختلف فيها أهل العلم من الصلوات الخاصة الذي جاء فيها بعض النصوص التي يختلف أهل العلم في ثبوتها ونفيها، صلاة التسابيح، صلاة الرغائب، صلاة كذا، صلاة كذا، لا تقدم على هذه العبادة إلا مع عدم الشك في ثبوتها؛ لئلا تتعبد لله -جل وعلا- بما لم يشرعه، أمور المعاملات ظاهرة، مثلما قلنا في المقتنيات من المآكل والمشارب والملابس والمساكن لا تقدم على شيء إلا في عقد صحيح تبرأ به الذمة، والعقود التي تشك في صحتها، وإن أفتاك من أفتاك بأنها صحيحة فإنك لا تقدم عليها امتثالاً لهذا الأمر؛ لأن فيها ما يريب.
"رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح".
الذي يليه.



سكربت الأربعين النووية - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم