الأربعون النووية , شرح الحديث السابع والعشرون تعريف البر والإثم
 

Bookmark and Share 




شرح الحديث السابع والعشرون من أحاديث الأربعين النووية

للشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله تعالى



تابع الدرس
(13) عند الحديث 25 إلى 30


قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
وعن وابصة بن معبد -رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟)) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السابع والعشرين:
عن النواس بن سمعان -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((البر حسن الخلق)) وجاء تفسير البر في آية البقرة {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} [(177) سورة البقرة] يعني جاء تفسيره في القرآن غير التفسير المذكور هنا، فالبر يشتمل على أشياء كثيرة، البر اسم جامع لكل خصال الخير بدأ من الإيمان بالله وبقية أركان الإيمان، وجميع شرائع الإسلام كلها بر، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- حصر البر هنا بحسن الخلق، وحسن الخلق أشمل من أن يكون في التعامل مع المخلوق، فتتلقى الشرائع الإلهية والأوامر والنواهي بصدر رحب، لا مع ضيق النفس، لا مع تأفف، لا مع تذمر، فحسن الخلق يشمل جميع المعاملات، معاملة الإنسان مع ربه، معاملة الإنسان مع نفسه، معاملته مع غيره، حسن الخلق، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق.
((البر حسن الخلق)) هذا أسلوب حصر، تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، والحصر هنا إضافي للاهتمام بشأن ما حصر فيه المسند إليه، ليس بحصر حقيقي؛ لأن البر يكون بشرائع من شرائع الإسلام غير حسن الخلق، وإن كان حسن الخلق يمكن أن يدخل في جميع شرائع الإسلام، لكن مع ذلك هذا الحصر إضافي {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [(144) سورة آل عمران] هو رسول -عليه الصلاة والسلام-، وهو أيضاً له صفات أخرى بشرية ينتابه فيها ما ينتاب البشر، وما الشاعر إلا حسان، هناك شعراء غير حسان، على كل حال يسمونه في مثل هذه الحالة حصر إضافي.
((البر حسن الخلق، والإثم)) ما يقابل البر ((ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) لأنه لا بد أن يكون فيه شيء، إذا كرهت أن يطلع عليه الناس، وتخشى أن ينكر عليك لا بد أن يكون فيه شيء.
قد يقول قائل: يكره الإنسان المخلص أن يطلع الناس على أعماله الصالحة، صلى بالليل، وصام بالنهار، وكره أن يطلع الناس عليه، ليس من هذا الباب؛ لأنه جاء فضل الإخفاء، إخفاء الصلاة، إخفاء العبادة، إخفاء الصدقة ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) مطلوب الإخفاء، ويكره أن يطلع عليه الناس؛ لئلا يخدش إخلاصه، فإذا كان خوفه من اطلاع الناس على عمله أن يتأثر في إخلاصه، وأن ينتابه شيء من الشرك الخفي، فإن هذا شر، لكن إذا خشي أن يطلع الناس على عمله لئلا ينكروا عليه فهو المراد هنا: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)).
أحياناً يكون العمل صالح، والأفضل أن يخفيه عن الناس؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، قد يكون الأفضل له أن يظهره للناس من أجل أن يقتدى به، عمل صالح يقتدى به، فيكون له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، وصلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة، وقد تكون في المسجد أفضل منها في البيت إذا رأى الناس يتساهلون في النوافل أو يتهمونه بأنه لا يصلي النوافل وهو ممن يقتدى به، إذا أظهر ذلك أحياناً كان أفضل، يكون في حقه أفضل.
((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هذا الحديث حسن مخرج في سنن أبي داود وغيره ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هل المراد بالجاهر والمسر الذي يقرأ عند الناس في المسجد، يقرأ بين الناس إما برفع صوت أو بخفض صوت، أو أن يقرأ بين الناس في المسجد أو يقرأ في بيته؟ الجهر والإسرار كما يكون في الصوت يكون أيضاً في الظهور والخفاء، والمطابقة إنما تتم بين الجهر والإسرار بالقرآن، مع الجهر والإسرار بالصدقة أن تكون القراءة على الملأ، أو في الخلوة؛ لأنه لا يتصور أن يتصدق بصوت أو بعدم صوت، إنما يتصدق والناس ينظرون إليه، أو يتصدق فيخفي صدقته عن الناس، ومثل هذا قراءة القرآن، إذا قرأ بين الناس ولو أسر بصوته صار حكمه حكم المعلن بالصدقة، لكن قد يعتري رفع الصوت بالقرآن بين الناس ما يعتريه بخلاف الإسرار بالقراءة ولو كانت بين الناس؛ لأنه إذا قرأ بصوت يستحسنه الناس ويمدحونه به، ويثنون عليه، قد يتأثر بهذا المدح بخلاف ما إذا قرأ سراً، لا سيما إذا كان هناك من يتشوش بقراءته، فلا شك أن الإسرار أفضل.
((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
"وعن وابصة بن معبد -رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فبادره النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره عما في نفسه؛ لأن الله -جل وعلا- أطلع نبيه على ما في نفسه، أو يكون بلغه بواسطة شخص تحدث إليه الواسطة، وإلا فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله -جل وعلا-.
قال: ((جئت تسأل عن البر؟)) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك)) القلب السليم يدرك البر والإثم، القلب السليم لا القلوب المدخولة المنحرفة والفطر المتغيرة لا، هذا لا تدرك بذاتها.
((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب)) إذا كنت ترتاح لهذا العمل وأنت قلبك سليم، وفطرتك مستقيمة ما اجتالتك الشياطين فالبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر)) يعني سألت عن حكم مسألة وارتحت واطمأن قلبك إلى جواب من أفتاك هذا البر، لكن إذا كنت سألت هذا العالم وأفتاك بكلام لم ترتح له، لا سيما إذا كان يوافق هواك، ارتكبت شيئاً في حج أو عمرة ثم سألت من تثق بعلمه، وقال: ما عليك شيء، وأنت ما زال في قلبك شيء، احتمال أن يكون عليك دم، فأنت إذا ترددت في هذا اسأل غيره، اسأل غير هذا العالم لتطمئن، فإذا أفتاك ثاني خلاص انتهت المشكلة، وأما إذا أفتاك بما يخالف هواك الأول قال: عليك دم، تقول: والله أنا ما أنا مرتاح لهذا الجواب، ليش ما أنت مرتاح؟ لأنه لا يوافق هواك، لا لأن صدرك مرتاح وقلبك مطمئن، فمثل هذا الذي يغلب على الظن أنك تبحث عن رخص.
((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) يعني مهما أفتوك وأنت في تردد من هذا، فلو قدر أن شخصاً على مذهب لا يرى أكل مثل هذا الحيوان، ثم ذهب يستفتي من يرى حل هذا الحيوان، بيرتاح لهذه الفتوى وإلا ما يرتاح؟ حنبلي سأل شافعي مثلاً أو مالكي عن الثعلب يؤكل وإلا ما يؤكل؟ قال: يؤكل، هذا السائل بيرتاح لهذه الفتوى؟ إلا لهوى في نفسه، هو محتاج للأكل، قد يكون محتاج للأكل فيوافق هواه، حينئذٍ لا يرتاح، وإن أفتاه من أفتاه، لو أفتاه الإمام الشافعي برأسه، والإمام مالك نجم السنن، فإنه حينئذٍ لا يرتاح؛ لأنه شب على كراهية مثل هذا اللحم أو تحريم هذا اللحم.
((وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه، وعلى اصطلاح ابن الصلاح يقول: "رويّناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
والحديث فيه انقطاع، ولكن له شواهد، شواهد منها حديث النواس بن سمعان الذي قبله.
رويّناه في مسندي الإمامين أحمد، المسند يطلق ويراد به الكتاب الذي تروى فيه الأحاديث بالأسانيد، والبخاري الجامع الصحيح المسند؛ لأنه تروى فيه الأحاديث بالأسانيد، والاصطلاح عند أهل العلم الذي استقر عليه أن المسند ما رتبت فيه الأحاديث على مسانيد الصحابة، كمسند أحمد، الدارمي له مسند مرتب على المسانيد أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته من تاريخ بغداد، وأما المشهور المستفيض بين يدي الناس هو الذي يخرج منه، فهو سنن، على الأبواب، وليس بمسند، اللهم إلا على الاصطلاح الأول القديم، الذي يسمى فيه البخاري مسند، تروى فيه الأحاديث بالأسانيد:
ودونها في رتبة ما جعلا
كمسند الطيالسي وأحمدا
ج على المسانيد فيدعى الجفلا
وعده للدارمي انتقدا

ابن الصلاح عد الدارمي في المسانيد، مع أنه مرتب على الأبواب انتقد ابن الصلاح في هذا، اللهم إلا إذا كان يريد المسند الذي أشار إليه الخطيب، وهنا ذكر الدارمي باسم المسند، وقال: في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.


سكربت الأربعين النووية - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم