الأربعون النووية , شرح الحديث الحادي والثلاثون الزهد في الدنيا
 

Bookmark and Share 




شرح الحديث الحادي والثلاثون من أحاديث الأربعين النووية

للشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله تعالى



الدرس
(14) يحتوي على الأحاديث من 31 إلى 42

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ: عبد الكريم الخضير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين والحاضرين.
قال الإمام النووي -عليه رحمة الله-:
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الحادي والثلاثين...
هذا سؤال متعلق بالحديث السابق.
يقول: الحديث الماضي: ((وسكت عن أشياء رحمةً بكم)) هل يؤخذ منه إثبات صفة السكوت؟
نعم؛ لأن الله -جل وعلا- يتكلم في الأزل، ويتكلم متى شاء إذا شاء، من لازم ذلك أنه يسكت، والحديث أيضاً: ((وسكت عن أشياء)) ففي هذا إثبات السكوت لله -جل وعلا-.
الحديث الذي يليه قوله:
"عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله" هذه اهتمامات الصحابة، يسأل النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يقربه إلى الله، كما مضى نظائره في أسئلة قريبة من هذا "دلني على عمل إذا عملته أحبني الله" لأن كون العبد يحب الله -جل وعلا- هذا فرض من فرائض الدين، والعبادة لا تكون إلا مع الحب والتعظيم.
عبادة الرحمن غاية حبه
مع ذل عابده.......................

مع الذل والتعظيم لله -جل وعلا-، فكون العبد يحب الله -جل وعلا-، ويحب رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه...)) الحديث، هذا من فرائض الدين، لا يستقيم دين الإنسان إلا بهما، وكذلك يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحب إخوانه المسلمين، ويحب في الله، ويبغض في الله، لكن الشأن كله أن تُحَب، الشأن في أن تُحَب ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)) كيف تحقق محبة الله لك؟
"دلني على عمل إذا عملته أحبني الله؟" وسيأتي في حديث الولي ما فيه مزيد إيضاح -إن شاء الله تعالى-.
"أحبني الله وأحبني الناس" يعني محبة الناس للشخص، ومحبة الشخص للناس لا سيما المسلم منهم هذه مطلوبة شرعاً، وكون الناس يحبونه كما دعا النبي -عليه الصلاة والسلام- لأبي هريرة، هذا ييسر له أموره، أمور دينه وأمور دنياه، فلا يقول: أنا أسعى لتحقيق محبة الله -جل وعلا- ولا يهمني الناس، نعم لا يهمك الناس في بعثك على العبادة، على عبادة الله -جل وعلا-، ليكن الباعث والناهز لك على هذه العبادات هو مرضاة الله -جل وعلا-، لكن أيضاً كون الناس يحبونك، وكونك تحبهم هذه من مطالب الدين.
"وأحبني الناس، فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله))" ازهد في الدنيا، وارغب في الآخرة؛ لأن من مقتضى الزهد في الدنيا مزيد الرغبة في الآخرة ازهد في الدنيا، يعني اترك القدر الزائد الذي لا تحتاجه من الدنيا.
((ازهد في الدنيا)) الزهد والورع لفظان متقاربان، لكن الزهد فيما في اليد، والورع قبل أن يصل اليد، هذا المال الذي تسعى إلى كسبه كونك تتحرى في الكسب، ولا تكتسب إلا على وجه شرعي، وإذا شككت في شيء تركته، وإذا وجد في المعاملة أدنى شبهة تركتها لله -جل وعلا- هذا الورع، فإذا حصل المال في يدك كونك تتخلص من القدر الزائد يعني البلغة التي توصلك إلى تحقيق الهدف الذي من أجله خلقت هذا الزهد في الدنيا، يعني الزهد مع القدرة، لما قيل لسفيان الثوري: أنت زاهد، قال: لا، الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي في يده الدنيا، أما الذي ليس في يده الدنيا كيف يزهد؟
((ازهد في الدنيا يحبك الله)) يحبك، يعني لولا الإدغام إدغام الباء الأولى في الثانية؛ لأن يحبك الباء المشددة هذه عبارة عن بائين أولهما ساكن يحببك، والأصل أنه مجزوم جواباً للطب ازهد يحببك.
((وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) كيف يزهد فيما عند الناس؟ يعني إذا أعرضت عن الدنيا وزهدت فيها، ورخصت في عينك في مقابل حرصك على الآخرة، وما يقربك إلى الله -جل وعلا- هذا سبب لمحبة الله -جل وعلا- لك، وأيضاً ما في أيدي الناس كون الإنسان ينظر إلى فيما أيدي الناس، ويتطلع إلى فيما أيديهم، إن رأى شيئاً يعجبه بيد أخيه قال: لو نحلتني إياه، لو أعطيتني إياه، سواءً كان بصريح العبارة أو بالتعريض، يعني ممكن يتحملك مرة مرتين، لكن يتثاقلك فيما بعد، ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، والسؤال ثقيل على النفس، ولو كان شيئاً يسيراً.
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا
إذا قيل: هاتوا أن يملوا ويمنعوا

فكيف إذا سئلوا ما فوق التراب؟ فإذا زهد الإنسان فيما أيدي الناس وأعرض عما في أيديهم أحبه الناس، لكن إذا كان يتشوف ويتطلع إلى ما في أيديهم أحياناً يصرح، وأحياناً يعرض، ولو كانوا من أقرب الناس إليه، فإنهم يملونه، ويكرهونه ويتثاقلونه، لكن إذا أعرض عنهم وعما في أيديهم فإنهم يحبونه.
((وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، قد تكون المفردات ليست حسنة، لكن بالمجموع يرتقي إلى درجة الحسن، نعم.


سكربت الأربعين النووية - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم