Bookmark and Share 




شرح الحديث الثالث والثلاثون من أحاديث الأربعين النووية

للشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله تعالى



تابع الدرس
(14) من الحديث 32 إلى 42

قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي سعيد -رضي الله عنهما-...
انتهينا من هذا.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.
وغيرُه.
وغيرُه هكذا، وبعضه في الصحيحين.
في الحديث الثالث والثلاثين يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم)) يعني لو كل إنسان أعطي ما يدعي، كل إنسان يدعي شيئاً يعطاه، ((لادّعى رجال)) وأيضاً نساء، ((أموال قوم ودماءهم)) ولكن هناك قاعدة شرعية للخصومات، ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) المدعي جانبه ضعيف؛ لأنه يدعي شيئاً ليس بيده، والمدعى عليه جانبه قوي؛ لأنه يدعى عليه شيء أنه ليس له وهو بيده وفي حزته وفي ملكه وفي قبضته، فاشترط لصاحب الجانب الضعيف البينة التي هي أقوى، وطلب من المدعى عليه صاحب الجانب القوي ما لا يطلب من المدعى عليه، فجانب المدعي ضعيف يحتاج إلى من يدعمه بشهادة غيره، وجانب المدعى عليه هو الأقوى فاكتفي بيمينه ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) لأن الأصل أن من أنكر أن الذي بيده له، فيكتفى بيمينه، يقبل قوله لكن بيمينه، لتكون هذه اليمين في مقابل الدعوة، هناك احتمال أن يكون المدعي صادق في دعواه لكن ليست لديه بينة، فجعل في مقابل هذا الاحتمال اليمين، ولا يضيره أن يحلف ولا ينقصه أن يحلف إذا كان صادقاً ((البينة على المدعي)) ((لو يعطى الناس بدعواهم)) لأن كل إنسان غرس فيه حب المال ومتع الدنيا وما يستفاد منه فيها، فتجده من باب الأثرة والاستئثار بالشيء دون الغير قد يكذب في دعواه، قد يكذب فيقول: هذا المتاع لي، وهذه الدراهم لي، وهذه الأرض لي، فلو كل من قال: هذا لي يعطى لتطاول الناس على أملاك الغير وادعوها ((لادعى رجال أموال قوم ودماءهم)) يدعي على هذا أن هذا المال له، وأن هذا قتل أباه أو أخاه، لكن القاعدة الشرعية: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) ادعيت هات، الدعوة لا تقبل إلا ببينة {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [(111) سورة البقرة] فإذا لم يجد بينة، وبينة مقبولة شرعاً لها شروط، والأصل فيها الشهادة {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} [(282) سورة البقرة] الأصل فيها الشهادة، هذه هي البينة، ومن أهل العلم من يرى أن كل ما يبين إصابة المدعي، وأنه محق يقوم مقام الميت، ويجعلون القرائن القوية بمثابة البينة، وقرر هذا ابن القيم في الطرق الحكمية، يعني لو أن شخصاً على رأسه عمامة وبيده عمامة، والآخر أصلع ما عليه شيء، ادعى هذا الأصلع الذي ما على رأسه شيء أن هذا أخذ عمامته، في هذه الصورة يقوى جانبه، جانب المدعي، وما جرت العادة أن الإنسان يلبس عمامة وبيده عمامة، وجرت عادة هذا الشخص أنه لا يمشي إلا بعمامة، وقل مثل هذا في اختلاف الأعراف، لو أن شخصاً جاء حاسر الرأس، وشخص على رأسه شماغ، ومعروف أن هذا ليس من عادته أن يلبس الشماغ، وليس من عادة ذاك أن يحسر الرأس، يقوى جانبه، ولو كان العكس أن هذا الذي عليه شماغ جرى عرفهم وعادتهم في بلدهم واستمر على ذلك أنه يمشي حاسر الرأس، والثاني ما جرت العادة أنه يمشي حاسر الرأس، المقصود أن القرائن القوية تنزل منزلة البينات عند ابن القيم وجمع من أهل العلم، وإلا فالأصل أن البينات محددة في كل باب من أبواب الدين، منها ما يكون بشهادة رجلين، ومنها ما يكون بشهادة أربعة، ومنها ما يكون بشهادة رجل وامرأتين، ومنها ما يقبل فيه قول المرأة، ومنها ما يقبل فيه قول الرجل إذا ادعى على زوجته وهكذا، الأمور مفصلة في باب الدعاوى والبينات من كتب العلماء، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، إذا لم يحضر المدعي البينة طلب القاضي من المدعى عليه أن يحلف، افترض أن هذا المدعى عليه نكل عن اليمين، وقال: أنا ما أحلف، حطام الدنيا كله ما يسوى عندي أن أحلف بالله -جل وعلا- ولو كنت صادقاً، من أهل العلم من يحكم عليه بالنكول، ومنهم من يرد اليمين على المدعي، ما عندك بينة ما عندك بينة، احلف يا فلان، والله ما أنا بحالف، الدنيا كلها ما تسوى اليمين، طيب ترضى بيمين صاحبك؟ خلاص يرضى، منهم من يحكم عليه بمجرد النكول، ومنهم من يقول: ترد اليمين على المدعي، والمسألة خلافية، ولا شك أن رد اليمين على المدعي أقوى من مجرد الحكم بالنكول؛ لأنها قبلت في طرف، فلما رفض هذا الطرف الذي اكتفي بها منه تحول على الثاني، مع أن الإمام مالك -رحمه الله- قال: لا أعلم أحداً قال برد اليمين، مع أن القضاة في عصره كابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولون برد اليمين، ولا شك أن كون المدعي يحلف أسهل من كونه يأخذ ما ادعاه من غير بينة ولا يمين.
قال: "حديث حسن رواه البيهقي وغيره، وبعضه في الصحيحين" بعضه فيه الصحيح: ((البينة على من ادعى)) هذه موجودة في الصحيح، وتكملته وأوله ليس في الصحيح، وعلى كل حال للمخرج أن يقول: وأصله في الصحيح، رواه البيهقي وغيره وأصله في الصحيح، يعني أصل الحديث وجزء منه، وجزء له أثر في الحكم في الصحيح، وعلى كل حال الحديث صالح للحجة، نعم.


سكربت الأربعين النووية - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم